يحيي بن حمزة العلوي اليمني
60
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وتصير الجملة جملة واحدة ، ويصدّق ما قلناه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : « كان أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ينامون ثم يصلون لا يتوضئون » وفي حديث آخر بإثبات الواو . وفي قوله : « ولا يتوضئون » فالواو دالة على انفصال الجملة عما قبلها وعلى مغايرتها له ، وحذف الواو فيه دلالة على اتصال الجملة الثانية بالأولى والتحامها بها ، حتى كأنها أحد متعلقاتها ؛ لأنها إذا كانت الواو محذوفة فيها كانت في موضع نصب على حال ، وكان الجملتان كأنهما أفرغا في قالب واحد ، كأنه قال : « ينامون ثم يصلون غير متوضئين » ومع هذا يكون الكلام أشد إيجازا وأعظم بلاغة . ومن أعجب مثال فيما نحن بصدده قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [ آل عمران : 118 ] لأن التقدير وودوا ما عنتم وقد بدت البغضاء من أفواههم ، فلما حذفت هذه الواو كان الكلام مع حذفها أدخل في الإعجاز ، وأحسن في الاختصار والإيجاز ، وأبلغ في تأليفه ونظمه ، وأحلى في سياقه وعذوبة طعمه ، لا يقال : فإن الواو قد جاءت ثابتة في قوله تعالى : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ( 4 ) [ الحجر : 4 ] وجاءت محذوفة في مثل قوله تعالى : وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) [ الشعراء : 208 ] فهل من تفرقة بين إثباتها وحذفها ، وما ضابط الحذف والإثبات فيما هذا حاله ، لأنا نقول : أما التفرقة فهي ظاهرة : فإن الواو إذا كانت محذوفة فهي في حكم التكملة والتتمة لما قبلها ، تنزل منزلة الجزء منها كما أوضحناه ، وإذا كانت الواو موجودة كانت في حكم الاستقلال بنفسها ، فعلى هذا تقول : ما جاءني زيد إلا وهو ضاحك وما لقيته إلا وهو راكب ، فتثبت الواو وتحذفها على التنزيل الذي ذكرناه ، وما هذا حاله فهو تفريغ في الصفات في الاستثناء كما ورد في الآيتين جميعا بالواو وحذفها على الجواز فيهما ، وأما الضابط لدخولها في الصحة والامتناع فنقول : كل اسم نكرة جاء قبل « إلا » فإنك تنظر إلى العامل في تلك النكرة ، فإن كان ناقصا فإنه يمنع الإتيان بالواو ، وهذا كقولك ما أظن درهما إلا هو كافيك ، ولا يجوز بالواو فلا تقول : إن رجلا وهو قائم لما كان العامل الأول يفتقر إلى تمام ؛ لأن الظن يفتقر إلى مفعولين ويحتاج إلى خبر فلهذا استحال وجود الواو هاهنا لما قررناه ، وإن كان العامل في النكرة تاما ، فإنه يجوز الإتيان بالواو وتركها ، وعلى هذا تقول : ما جاءني رجل إلا وهو ضاحك بإثبات الواو وحذفها كما أشرنا إليه .